محمد ابراهيم شادي
90
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
ولكن اللافت أكثر من هذا ما يعقب تلك الحروف المقطعة من قوله تعالى ( ذلِكَ الْكِتابُ ) إذ نجد خمسة أصوات مخارجها من مناطق قريبة من الشفتين تظل تقترب شيئا فشيئا من الشفتين حتى تصل إليها بواسطة الباء الشفوية ، ولعل في هذا إشارة على أن ذلك الكتاب الذي بلغ الغاية في الكمال نظما وتأليفا هو من جنس تلك الحروف المقطعة « 1 » ، وحتى يشعر المستمع بهذا المعنى اقتربت الحروف المقطعة مع ما يليها في المخارج الشفوية والقريبة منها والتي هي أيسر نطقا من غيرها للتأكيد على مماثلة حروف الكتاب الكريم لحروف كلماتهم ، وذلك أوقع في التحدي ، وأقوى في الإشعار بأن تحدى القرآن ليس بحروفه التي يملكونها ، ولكن بكيفية تشكيل وضم تلك الحروف ، فهذا استدراج للتفكير في أمر ذلك الكتاب . وإذا كان ما سبق في أول البقرة شاهدا على غلبة الحروف الشفوية وما يجاورها لتسهم بأصواتها في الإشعار بمعنى خاص فإننا قد نجد غلبة الحروف الحلقية وما يجاورها وقلة الشفوية كقوله تعالى : ( وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ) . فتجد التركيز في هذه الآية على منطقة الحلق وما يجاورها لا سيما حروف الحلق التي كثرت كثرة لافتة تدعو إلى التوقف والتأمل ، مع تردد حرف القاف والراء وهاء الاستراحة وهو الضمير المتصل في فعلين متواليين ( فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ ) ثم تردد حرف العين ( عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ ) وعودة إلى هاء الاستراحة في ( وَنَزَّلْناهُ ) والهاء تحتمل في البناء ( وتقبل بسهولة ) للينها وهشاشتها كما يقول الرازي نقلا عن الخليل [ نهاية الإيجاز 121 ] والهشاشة هنا من هشّ لفلان أو هششت به إذا خففت إليه وارتحت له . أما تردد القاف والعين فلأنها " لا تدخلان في بناء إلا حسّناه ؛ لأنهما أطلق الحروف ، أما العين فأنصع الحروف جرسا وألذها سماعا ، وأما القاف فأمتن
--> ( 1 ) أي ذلك الكتاب الذي يتحداكم وعجزتم عن مثل نظمه وتأليفه هو من جنس حروف كلامكم وذلك أوقع في التحدّي وأدعى إلى التفكير الذي يستدرجهم إلى أنه لا يمكن إلا أن يكون وحيا من لدن حكيم خبير .